المقدمة
ليست المشكلة دائمًا في أن الإنسان لا يعرف الحق، بل قد تكون
المشكلة في أنه يعرفه لكنه يتهرب منه.
فكم من أمرٍ واضحٍ بسيطٍ، لو أُطيع في لحظته لانتهى الأمر، لكن
النفس حين تمتلئ بالجدل والعناد تجعل الطريق السهل طريقًا معقدًا طويلًا.
وهذه واحدة من القصص القرآنية العجيبة التي تكشف طبيعة بعض
النفوس عندما تُكثر الجدل في أوامر الله، فتضيق على نفسها ما كان واسعًا، وتفتح
أبواب المشقة بسبب التردد والتعنت.
إنها قصة بقرة بني إسرائيل، قصة جريمة خفية، وأمر إلهي
بسيط، لكن كثرة الأسئلة جعلته أمرًا شاقًا.
القصة
في زمن نبي الله موسى عليه السلام، كان في بني إسرائيل رجلٌ
شيخٌ غنيّ، يملك مالًا كثيرًا، ولم يكن له ولد يرثه. وكان له أبناء أخٍ فقراء،
يعلمون أنهم سيكونون ورثته بعد موته.
ومع مرور الوقت، طال عمر الشيخ، فدخل الطمع إلى قلوب بعضهم،
ووسوس لهم الشيطان بفكرةٍ خطيرة:
لماذا ننتظر موته؟ لماذا لا نعجل بالأمر فنرث ماله؟
فأغواهم الشيطان حتى ارتكب أحدهم جريمةً عظيمة. خرج مع عمه
ليلًا بحجة التجارة، فلما خلا به قتله غدرًا، ثم ألقى جثته قرب مدينة أخرى ليُلصق
التهمة بأهلها.
وفي الصباح، جاء القاتل متظاهرًا بالحزن، يصرخ ويبكي ويقول:
لقد قتلوا عمي! أريد القصاص!
فاختلف الناس، واحتدم النزاع بين القريتين، كل فريق ينفي
التهمة عن نفسه. ولم يجدوا سبيلًا لحل القضية، فذهبوا إلى نبيهم موسى عليه السلام
ليحكم بينهم.
عندها أوحى الله إلى موسى بحلٍ عجيب، فقال موسى لقومه كما أخبر
القرآن:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾
لكن القوم فوجئوا بالأمر، وقالوا في استغرابٍ وسوء أدب:
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾
كيف يكون حل جريمة القتل بذبح بقرة؟
فقال موسى عليه السلام مستنكرًا هذا الظن:
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
ولو أنهم أطاعوا الأمر من البداية، وذبحوا أي بقرة، لانتهى
الأمر سريعًا. لكنهم بدلاً من الطاعة بدأوا يكثرون من الأسئلة.
قالوا:
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾
فأخبرهم موسى أن الله يقول:
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ
ذَلِكَ﴾
أي ليست كبيرة في السن ولا صغيرة، بل في وسط العمر.
ومع ذلك لم يكتفوا، بل عادوا يسألون مرة أخرى:
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾
فأخبرهم موسى:
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ
النَّاظِرِينَ﴾
ومع ذلك لم يتوقفوا عن السؤال، فقالوا:
﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾
فزادهم الله وصفًا ثالثًا:
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي
الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾
أي بقرة لم تُستعمل في العمل، سليمة لا عيب فيها.
عندها قالوا أخيرًا:
﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾
وبدؤوا يبحثون عن بقرة بهذه الصفات الدقيقة، فلم يجدوها
بسهولة، حتى وجدوها عند شاب من بني إسرائيل كان مشهورًا ببرّه الشديد بأبيه.
وكان هذا الشاب قد ضحّى بصفقةٍ عظيمة حتى لا يوقظ أباه النائم
احترامًا له، فعوضه الله بهذه البقرة التي أصبحت نادرة بين الناس.
طلب بنو إسرائيل شراءها منه، لكنه رفض بيعها بثمن قليل.
فاستمروا يرفعون السعر حتى اضطروا في النهاية أن يدفعوا وزنها ذهبًا مرات عديدة
حتى رضي ببيعها.
ذبحوا البقرة أخيرًا، فأمرهم الله أن يضربوا القتيل بجزءٍ منها.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾
فحدثت المعجزة…
قام القتيل حيًا بإذن الله!
ونظر إلى الناس ثم قال:
الذي قتلني هو ابن أخي.
ثم مات مرة أخرى.
وهكذا كشف الله الحقيقة، كما قال سبحانه:
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
وكانت تلك آية عظيمة تذكرهم بقدرة الله على إحياء الموتى:
﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
الدروس المستفادة
1. كثرة الجدل في أوامر الله قد تجعل
الأمور السهلة صعبة.
2. الطاعة السريعة لأمر الله طريق النجاة.
3. الطمع قد يقود الإنسان إلى أعظم
الجرائم.
4. الله تعالى يكشف الحق ولو بعد حين.
5. البر بالوالدين سبب للبركة والخير.
6. الاستهزاء بأمور الدين من علامات
الجهل.
- قدرة الله على إحياء
الموتى حقيقة ثابتة.
المناقشة
أولًا: أسئلة الفهم والاستيعاب
1. ما سبب وقوع جريمة القتل في هذه
القصة؟
2. لماذا جاء بنو إسرائيل إلى موسى عليه
السلام؟
3. ماذا أمر الله بني إسرائيل أن يفعلوا؟
4. ما الصفات التي ذكرها الله للبقرة؟
5. كيف كُشف القاتل في النهاية؟
ثانيًا: أسئلة التفكير والتحليل
1. لماذا أكثر بنو إسرائيل من الأسئلة
بدل تنفيذ الأمر مباشرة؟
2. ماذا كان سيحدث لو أنهم ذبحوا أي بقرة
من البداية؟
3. كيف يكشف الله الحق حتى لو حاول الناس
إخفاءه؟
4. ما العلاقة بين الطمع والجريمة في هذه
القصة؟
ثالثًا: أسئلة القيم والدروس
1. ماذا نتعلم عن خطر الطمع من هذه
القصة؟
2. ما أهمية طاعة أوامر الله دون جدال؟
3. كيف يظهر أثر البر بالوالدين في حياة
الإنسان؟
4. لماذا يجب احترام الأنبياء وعدم سوء
الظن بهم؟
رابعًا: أسئلة للحوار المفتوح
1. هل ترى أن كثرة الجدل قد تضيع فرص
الخير في حياتنا؟ كيف؟
2. ما المواقف في حياتنا التي نحتاج فيها
إلى طاعة فورية دون تردد؟
3. كيف يمكن أن نتجنب الوقوع في الطمع
والحسد؟
كلمة أخيرة
تخبرنا هذه القصة أن المشكلة ليست دائمًا في قلة المعرفة، بل
أحيانًا في طريقة تعاملنا مع الحق.
بنو إسرائيل لم يكن ينقصهم الدليل، لكنهم أكثروا الجدل حتى
ضيقوا على أنفسهم. ولو أنهم أطاعوا الأمر منذ البداية لكان الأمر أسهل بكثير.
في حياتنا أيضًا قد نعرف الطريق الصحيح، لكننا نؤجله أو نناقشه
كثيرًا حتى نفقد الفرصة.
تذكر دائمًا:
الطاعة السريعة لله، والصدق في النية،
وبر الوالدين… مفاتيح للبركة والنجاح في الدنيا والآخرة.

إرسال تعليق