المقدمة
حين يطغى الإنسان ويغتر بقوته، قد يظن أن ملكه لا يزول، وأن ما
يملكه من مالٍ وسلطانٍ هو دليل على أنه على الحق. لكن سنن الله في الكون تكشف
الحقيقة دائمًا: فالنعم قد تتحول إلى ابتلاء، والرخاء قد يعقبه ضيق، حتى يستيقظ
القلب ويتذكر.
وهكذا كان حال قوم فرعون. فقد أرسل الله إليهم نبيه Moses
يدعوهم إلى الإيمان وإطلاق سراح بني إسرائيل، لكنهم قابلوا
الدعوة بالتكبر والعناد. فبدأت مرحلة من الابتلاءات والآيات المتتابعة، لعلهم
يرجعون إلى الحق.
القصة
يقول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
ابتلى الله قوم فرعون بسنواتٍ من القحط والجوع، فقلّ المطر،
وضعفت الزروع، ونقصت الثمار. حتى إن بعض الأشجار لم تعد تحمل إلا ثمرة واحدة.
كان ذلك إنذارًا من الله… دعوةً لهم ليراجعوا أنفسهم ويعودوا
إلى الحق.
لكن قلوبهم كانت مغلقة.
فإذا عاد الرخاء وامتلأت الأرض بالزرع قالوا مغترين:
﴿لَنَا هَذِهِ﴾
أي: هذا بسبب قوتنا وحكمتنا واستحقاقنا.
أما إذا أصابهم القحط والضيق، فإنهم لا ينظرون إلى أنفسهم، بل
يلقون اللوم على غيرهم:
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ
مَعَهُ﴾
اتهموا موسى ومن آمن معه بأنهم سبب البلاء.
لكن الحقيقة كانت واضحة:
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
ورغم هذه الابتلاءات، ازداد عنادهم حتى قالوا لموسى متحدّين:
﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا
نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
كانوا يقولون بوضوح: مهما جئت من دليل، فلن نؤمن.
عندها بدأت الآيات العظيمة تتتابع عليهم.
أرسل الله عليهم الطوفان، ففاض الماء في الأرض وأغرق الزروع،
وعجز الناس عن العمل والزراعة.
فلما اشتد عليهم البلاء، جاءوا إلى موسى متضرعين:
"يا موسى، ادع لنا ربك أن يرفع عنا هذا العذاب، فإن كشفه عنا
آمنا بك وأرسلنا معك بني إسرائيل."
فدعا موسى ربه، فكشف الله عنهم البلاء.
لكنهم نكثوا وعدهم.
ثم أرسل الله عليهم الجراد.
جيوشٌ هائلة من الجراد غطّت الأرض، فأكلت الزروع والأشجار، حتى
قيل إنها كانت تأكل حتى مسامير الأبواب.
فخاف القوم مرة أخرى، وعادوا إلى موسى يستغيثون.
فدعا موسى ربه، فكشف عنهم الجراد.
لكنهم مرة أخرى نقضوا وعدهم.
ثم أرسل الله عليهم القُمّل، وهي حشرات صغيرة أفسدت الطعام وأتلفت
الحبوب، حتى صار ما يخرجونه من الطعام قليلًا بعد أن كان كثيرًا.
فجاءوا إلى موسى مرة أخرى يطلبون الدعاء.
فدعا ربه، فكشف عنهم العذاب.
لكنهم عادوا إلى كفرهم.
ثم أرسل الله عليهم الضفادع.
امتلأت بها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم، حتى إن الرجل كان إذا
أراد أن يتكلم قفزت الضفدعة في فمه.
فاستغاثوا مرة أخرى بموسى.
فدعا موسى ربه، فكشف عنهم البلاء.
لكنهم لم يؤمنوا.
وأخيرًا أرسل الله عليهم الدم.
فكل ماء كانوا يجدونه يتحول إلى دم: في الأنهار والآبار
والآنية.
لم يعد لديهم ماء يشربونه.
فجاءوا مرة أخرى إلى موسى يتوسلون إليه أن يدعو ربه.
فدعا موسى ربه فكشف الله عنهم البلاء.
لكنهم لم يفوا بوعدهم مرة أخرى.
ولهذا قال الله عنهم:
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ
بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾
كانوا يعدون بالإيمان وقت الشدة… وينسون كل شيء حين تزول.
وأخيرًا جاء يوم النهاية.
عندما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر، تبعهم فرعون وجنوده بجيشٍ
عظيم.
فأمر الله البحر أن ينشق، فعبر موسى وبنو إسرائيل.
فلما دخل فرعون وجنوده البحر…
عاد الماء والتقى عليهم.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾
وهكذا انتهى ملك فرعون الذي ظن أنه لا يزول.
وفي المقابل، أورث الله الأرض لمن كانوا مستضعفين.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ
مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾
لقد تحقق وعد الله.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ
بِمَا صَبَرُوا﴾
الدروس والقيم المستفادة
1. الابتلاء قد يكون رسالة من الله ليعود
الإنسان إلى الطريق الصحيح.
2. نسب النعم إلى النفس من علامات الغرور
والغفلة.
3. الإنسان قد يتوب في الشدة، لكن
الإيمان الحقيقي يظهر في الرخاء.
4. تكرار الآيات لا ينفع من أغلق قلبه عن
الحق.
5. الظلم قد يستمر زمنًا… لكنه لا يدوم.
6. وعد الله للمظلومين بالنصر يتحقق
بالصبر والثبات.
7. نهاية الطغيان دائمًا الهلاك مهما طال
الزمن.
المناقشة
أولًا: أسئلة الفهم والاستيعاب
1. ما المقصود بقوله تعالى: ﴿أخذنا آل فرعون
بالسنين﴾؟
2. كيف كان رد فعل قوم فرعون عندما جاءهم
الرخاء؟
3. ماذا كانوا يقولون عندما يصيبهم القحط
أو البلاء؟
4. ما الآيات الخمس التي أرسلها الله على
قوم فرعون؟
5. ماذا كانوا يعدون به موسى كلما جاءهم
العذاب؟
ثانيًا: أسئلة التفكير والتحليل
1. لماذا كان الله يرفع العذاب عنهم رغم
كفرهم؟
2. ماذا يكشف تكرار نقضهم للوعود عن
طبيعة قلوبهم؟
3. كيف تُظهر هذه القصة خطورة العناد
أمام الحق؟
4. لماذا تأتي بعض الابتلاءات في صورة
كوارث طبيعية؟
ثالثًا: أسئلة القيم والدروس
1. ماذا نتعلم عن شكر النعمة من موقف قوم
فرعون؟
2. كيف تعلّمنا القصة خطورة الغرور
بالقوة والسلطة؟
3. ما أثر الصبر في تحقيق وعد الله؟
4. كيف يمكن للإنسان أن يتجنب الغفلة
التي وقع فيها قوم فرعون؟
أسئلة للحوار المفتوح
1. لماذا ينسى كثير من الناس الله بعد
زوال الشدة؟
2. كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إيمانه
في أوقات الرخاء؟
3. ما أوجه الشبه بين سلوك قوم فرعون
وبعض سلوكيات البشر اليوم؟
كلمة أخيرة
قد يظن الإنسان أن القوة أو المال أو النجاح هي دليل على أنه
يسير في الطريق الصحيح. لكن قصة فرعون تذكرنا بأن القوة بلا إيمان قد تقود إلى
الهلاك.
إن الله يعطي الفرص… مرة بعد مرة.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يرى الإنسان الآيات الواضحة،
ثم يصر على العناد.
فاحرص أن يكون قلبك حيًّا، يتذكر الله في الشدة والرخاء، ولا
تكن ممن يتغيرون مع الظروف.
فالإيمان الحقيقي لا يظهر في لحظة الخوف فقط… بل في كل لحظة من
الحياة.

إرسال تعليق